أبو علي سينا
78
التعليقات
معقولية الشيء هي تجريده عن المادة وعلائقها ، والشيء إذا كان يخالطه شيء غريب لا يكون متجردا فلا يكون عقلا ولا يكون معقولا لذاته . [ المادة والصورة ] الهيولى وإن كان وجودها بالصورة فوجودها لذاتها لا للصورة وهي حاملة للصورة وليست هي كالعرض الذي هو محمول . [ الفرق بين تعقل الواجب وتعقل غيره ] الشيء الذي وجوده وجود عقلي أي مجرد ، هو عقل ؛ والذي هو له ذاته هو عقل ، بذاته . والعرض وجوده للجوهر أي قوامه ( 26 ا ) هو إنما وجد ليكون نعتا له أو حلية كما البياض للجسم لأنه صفة للجسم موجودة له لا لذاته . وكل شيء ذاته لشيء فذلك الشيء يدركه وهو لا يدرك ذاته . فالأجسام والقوى الجسمانية ذواتها لا لها بل لغيرها أي للأنفس ، فهي لا تدرك ذواتها . كالقوة الباصرة مثلا فإنها لا تدرك ذاتها والقوة الحاسّة لا تدرك ذاتها ، وكذلك كل ما له ذاته فهو يدرك بذاته ، والمفارقات لها ذواتها فهي مدركة ذواتها . والباري هو عقل لأنه هوية مجردة ، وهو عاقل لأن ذاته له ، وهو معقول لأن هويته المجردة لذاته . وكون ذات الباري عاقلا ومعقولا لا توجب أن يكون هناك اثنينية في الذات ولا في الاعتبار : فالذات واحدة والاعتبار واحد ، لكن في الاعتبار تقديم وتأخير في ترتيب المعاني ، ولا يجوز أن تحصل حقيقة الشيء مرتين كما نعلم . فلا يجوز أن تكون الذات اثنين كما إذا عقلت أنا معنى زيد يكون قد حصل ذاته في ذاتي فتكون هناك اثنينية : ذاتي العاقلة وذاته المعقولة . الباري يعقل ذاته لأن وجود ذاته له ، وكل ذات تعقل ذاتا فتلك الذات حاصلة لها في ذاتها . فالحاصل في ذاته هو ذاته لا غيرها ، وليس هناك اثنينية فإن حقيقة الشيء تكون مرة واحدة لا تحصل مرتين . وليس قولنا : إن ذاته موجودة له وقولنا : إن ذاته معقولة له تجعل الذات اثنين ، فإن حقيقته لا يعرض لها مرة شيء ومرة ليس ذلك الشيء وهو حقيقة واحدة دائما . فليس لكونها معقولة زيادة على شرط كونها موجودة بل زيادة شرط على الوجود مطلقا وهو أن وجود ذاته التي به هي معقولة حاصل له في ذاته لا بغيره . إذا قلت إني أعقل الشيء فالمعنى أن أثرا منه موجود في ذاتي فيكون لذلك الأثر وجود ولذاتي وجود . فلو كان وجود ذلك الأثر لا في غيره بل فيه لكان أيضا يدرك ذاته ، كما أنه لما كان وجوده لغيره أدركه الغير . فالأول لما كان وجوده لذاته على الوجه الذي قلنا كان مدركا لذاته . فلا يظن أنه إذا قلنا : إن كل صورة معقولة فوجودها لذات ذلك المعقول فتكرر الوجودان والذاتان ، فتكون اثنينية .